المقال الفائز بالمركز الثالث في مسابقة دار المعارف «قراءة واعية»
«القاهرة الحالية مدينة موغلة في القدم، مثل قدم نهر النيل، ومن الخطأ التأريخ لها بإنشاء مدينة الخليفة الفاطمي المعز لدين الله لها، وذلك كما حدث عندما احتفوا في سنة 1969م بالعيد الألفي لها…»
هكذا يكتب الأستاذ فتحي حافظ الحديدي، مؤمنًا ومدركًا بما يكتب ويقول، عن مدينة قيل عنها ما قيل؛ في الأدب، والتاريخ، والجغرافيا، والحضارة، ومختلف العلوم الإنسانية.
بين أيدينا كتاب عن القاهرة وتخطيطها العمراني، وأسماء شوارعها، وتاريخها الدبلوماسي والشعبي؛ بل وتاريخ أطبائها، ومقاهيها، وجرائدها!
سيرة القاهرة
سمعت عن الأستاذ فتحي حافظ الحديدي أول مرة بعد وفاته، في نعي كتبه أحد الأصدقاء على صفحته الشخصية وصفحة المبادرة التي يديرها؛ «سيرة القاهرة». وشعرت من النعي أننا في غفلة عن علماء وباحثين من الوزن الثقيل، ليس فقط لأنه باحث ومؤرخ ومؤرشف لتاريخ وتخطيط مدينة القاهرة، بل لأنه أصلًا جاء من صلب المكان/الوزارة التي تشرف وتخطط ولديها الوثائق عن هذه المدينة العجيبة!
بعدها بأيام ستعقد مبادرة «سيرة القاهرة» حفل تأبين للراحل الذي رحل في صمت، تاركًا إرثًا غاية في الأهمية والمهنية لأرشفة كل ما يتعلق بالقاهرة.
كتاب «خطط القاهرة» لصاحبه فتحي حافظ الحديدي، الموظف بوزارة الأشغال العمومية – ألغيت هذه الوزارة وتبقى منها اختصاص الري فقط – كتاب صدر حديثًا في طبعته الأولى عام 2025 عن دار المعارف، وضمن سلسلة جديدة برعاية مبادرة «سيرة القاهرة» لمؤسسها عبد العظيم فهمي، الباحث في تاريخ وتراث القاهرة.
الكتاب يتألف من 231 صفحة، تشمل مقدمة عن الأستاذ فتحي حافظ الحديدي، ثم أربع فصول معنونة كالآتي: «رحلة لا تنسى» – «أصوات من الزمن» – «شخصيات مؤثرة من الغرب والشرق» – وأخيرًا الفصل الرابع: «قضايا وآراء حرة».
عودة الجبرتي
كتب المقدمة الأستاذ إيهاب الملاح، المشرف العام على النشر بمؤسسة دار المعارف العريقة. ولم يستطع الأستاذ إيهاب أن يخفي دهشته، وستندهش معي أيضًا أيها القارئ، أنَّ الأستاذ فتحي حافظ الحديدي هو حفيد الجبرتي من ناحية الأم! الجبرتي مؤرخ القاهرة الأشهر.
قدّم الأستاذ إيهاب تعريفًا ميسرًا ومجملًا بشخصية فتحي حافظ الحديدي، وأشار سريعًا إلى ما يحويه الكتاب من مجموعة مقالات متفرقة كتبها الأستاذ حافظ الحديدي. كما أشار إلى ما كُتب عنه، وتحديدًا ما كتبه الراحل جمال الغيطاني.
والكتاب هو مجموعة من المقالات التي كتبها الراحل فتحي حافظ الحديدي، وجمعها نجله المهندس محمد حافظ الحديدي، وقامت دار المعارف بالتعاون مع «سيرة القاهرة» بنشر هذه المجموعة المتفرقة عن تاريخ وأرشيف القاهرة.
كما أشار في المقدمة إلى أهم ما كتب فتحي حافظ الحديدي من مؤلفات، مثل: «التطور العمراني لشوارع مدينة القاهرة من البدايات وحتى القرن الحادي والعشرين»، والذي صدر عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة سنة 2014. وقد أشاد به الأديب جمال الغيطاني، وكتب عنه في حينه.
وقد أصدرت دار المعارف عام 1991 كتاب «الأصول التاريخية لمؤسسات الدولة والمرافق العامة بمدينة القاهرة»، لصاحبه ومؤلفه فتحي حافظ الحديدي، والذي كتب عنه جمال الغيطاني مقالًا نُشر في جريدة الأخبار، وتضمنه هذا الكتاب الذي بين أيدينا في فصل: أصوات من الزمن.
يحتوي الفصل الأول من هذا الكتاب، والمعنون برحلة لا تنسى، عدة مقالات؛ أحدها كُتب عن القاهرة مدينة الألف عام، ثم يستعرض الباحث تاريخ القاهرة منذ عام 1900 وحتى ثورة يوليو 1952، ثم يأخذنا في جولة سياحية وكأنها جولة كاميرا بشريط سينمائي على مدينة القاهرة، بما يشمل أقسامها الإدارية، ومقر الحكم، والوزارات، وبعض المؤسسات المهمة في حينها، واصفًا وصفًا مجملًا وسريعًا شكل المباني وطريقة الإضاءة، وأهم الجرائد والمجلات.
بعدها تأخذنا عدسة كاميرا الأستاذ فتحي إلى ملامح الحياة والعلاقات الاجتماعية والإنسانية والثقافية، من خلال استعراض لمقاهي القاهرة.
ولا ينسى الأستاذ الحديدي أن يتجول معنا في شارع المعز، متحدثًا عن تاريخ الشارع وأقسامه وأسماء شوارعه وأهم معالمه. بعدها ينتقل إلى خان الخليلي، مشيرًا إلى المتغيرات التاريخية التي طرأت على هذه البقعة منذ النشأة في العصر الفاطمي وحتى منتصف القرن العشرين.
وأثناء رحلة الحديدي التي لا تُنسى، يتجول بين أهم العمائر في تاريخ القاهرة الحديثة، مستعرضًا تاريخها وما طرأ عليها من تطوير أو تغيير؛ ويضرب في ذلك مثالين: عمارة متاتيا بالعتبة الخضرا، ومسجد الفتح بميدان رمسيس.
ثم ينتقل إلى دراسة حالة للتطور العمراني لواحد من أهم ميادين القاهرة، ألا وهو ميدان التحرير، مدعمًا دراسته بالهوامش والمراجع.
يذكرنا أيضًا الحديدي في رحلته بأن بالقاهرة شوارع بأسماء أرمينية، حيث تمر الكاميرا على أهم الأسماء ونبذة مختصرة وجامعة عن تاريخها.
يأتي الفصل الثاني ببعض ما كُتب عن الأستاذ فتحي حافظ الحديدي من مقالات في الأخبار والأهرام، أو حوارات أُجريت معه، يدور معظمها عن تاريخ القاهرة بوصف الأستاذ الحديدي حفيد الجبرتي؛ حفيد الجبرتي الذي يفجر مفاجأة بخصوص مسجد السيدة زينب! أو يكشف عن نسخة كتاب للجبرتي موجودة بهولندا، وهكذا من مقالات وحوارات عن الراحل فتحي حافظ الحديدي.
أما الفصل الثالث، وهو فصل قصير، فيحدثنا الحديدي عن ثلاث شخصيات عاشت في القاهرة وأثرت في تاريخها وعمرانها، وتفاعلت مع أحداثها وأهلها، رغم أن هذه الشخصيات الثلاث من غير المصريين. وهم: طبيب العيون الألماني ماكس مايرهوف، والراحل عبد اللطيف البغدادي، وأخيرًا الدكتور محجوب ثابت، الطبيب وعضو مجلس النواب والمناضل والسياسي، بل وخطيب ثورة 1919!
ويتناول الفصل الرابع والأخير تاريخ القاهرة وشوارعها من خلال علاقات مصر الدبلوماسية وأماكن السفارات والقنصليات الأجنبية، مثل: ألمانيا، وإيطاليا، واليونان، وبريطانيا، وروسيا، وأمريكا، والنمسا، مشيرًا في ذلك إلى درب الجنينة، وهو الحي المعروف الآن بجاردن سيتي.
كما يتحدث عن تاريخ القاهرة وشوارعها من خلال تاريخ الصحف والجرائد والمجلات، من حيث استعراض أسمائها بتواريخ إنشائها، ومستوى اللغة العربية في الكتابة، وبحث تطور الورق، وهكذا… ثم يستعرض التوزيع الجغرافي للصحافة بمدينة القاهرة.
وفي نهاية الفصل الرابع يتحدث عن المحاكم المختلطة، وسجن الأجانب، وبعض طرائف الكتب.
في رأيي أن هذا الكتاب، بما يشمله من مجموعة مقالات عن تخطيط القاهرة وتطورها العمراني وتاريخها الاجتماعي والثقافي، كُتب بطريقة علمية وموجزة بما لا يخل بالمعلومات، ويفيد القارئ العام غير المتخصص بالمقام الأول، وهو هدف مهم وتثقيفي وأرشيفي لتاريخ هذه المدينة ذات الطبقات المتعددة والتراث الإنساني المتراكم، خصوصًا في ظل ما يحدث في هذه الأيام من تطوير لأحياء القاهرة القديمة، والذي قد يرقى إلى تغيير معالمها أو نسيان تاريخها!؟
كما يفيد الكتاب الباحث المتخصص في تاريخ القاهرة من زوايا عدة، بما يشمله من أسماء شوارع وأحياء ووزارات وصحف ومقاهي وعمارات وشخصيات، كلها تلقي الضوء أو ترشد الباحث في معرفة أصل ما كان، وكيف ومتى طرأ التغيير، وكيف يمكن أن نحافظ على ونحيي هذا الإرث الإنساني.
أخيرًا، أريد الإشارة إلى ما تقدمه دار المعارف من مؤلفات عن مدينة القاهرة، وخصوصًا سلسلة «سيرة القاهرة»، والتي تقدم هذا العام (2026) أربع مؤلفات جدد لكتاب جدد، يتحدثون عن القاهرة من زوايا مختلفة، مسترشدين في ذلك بمن سبقهم من الباحثين العظام، ومضيفين لهم بما يناسب العصر وتطوره وأحداثه.